كانت رائحة البخور تتسلل من نوافذ المنازل القديمة، ممزوجة بعبق الزهور البرية التي تزين أزقة البلدة العتيقة. في يوم احتفالها السنوي، بدت البلدة وكأنها لوحة فنية نابضة بالحياة، لكن قلب فارس كان مثقلًا بعبء آخر. لقد عاد إلى هنا، إلى مسقط رأس جدته أمينة، بعد وفاتها، لا ليشارك في الاحتفالات، بل ليحل لغزًا قديمًا ظل يطارده.
همسات الماضي في متجر التحف
توقف فارس أمام متجر التحف العتيق الذي يحمل اسم “كنوز الزمن”. كان سالم، صاحب المتجر، رجلًا تجاوز السبعين، بعينين حادتين تخفيان وراءهما قصصًا لا حصر لها. دخل فارس، وتسللت عيناه بين الرفوف المكدسة بالقطع الأثرية، بحثًا عن شيء واحد بعينه: دفتر مذكرات جدته المحرّم. لقد ذُكر هذا الدفتر همسًا في العائلة، كشيء لا يجب المساس به، سرًا مدفونًا مع جدته.
“أهلاً بك يا بني، أبحث عن شيء معين؟” سأل سالم بصوته الأجش، وهو يمسح قطعة فخارية قديمة.
“في الحقيقة، نعم،” أجاب فارس، وهو يشعر بالتوتر يتسلل إليه. “أنا حفيد أمينة، جدتي التي توفيت مؤخرًا. علمت أنها كانت تتردد على متجرك كثيرًا، وأن بعض مقتنياتها بيعت هنا.”
تغيرت نظرة سالم، وبدت على وجهه علامات الدهشة ممزوجة بالحنين. “أمينة… يا لها من امرأة. نعم، لقد تركت بعض الأشياء هنا. لم يكن أحد من عائلتها مهتمًا بها.”
“أنا مهتم،” قال فارس بحزم، “خاصة بـ… دفتر.”
تردد سالم للحظة، ثم أشار إلى صندوق خشبي قديم في زاوية مظلمة. “كانت تضعه دائمًا معها. دفتر قديم، مغلق بقفل غريب. لم أستطع فتحه، ولم أجرؤ.”
اقترب فارس من الصندوق، وقلبه يخفق بشدة. كان هناك، دفتر جلدي عتيق، لونه بني داكن، مزين بنقوش باهتة، وقفل نحاسي صغير يغلق صفحاته بإحكام. كان هذا هو الدفتر الذي سمع عنه، والذي لم يره أحد قط.
“أرغب في شرائه، وكل ما يتعلق بجدتي هنا،” قال فارس، وهو يمسك بالدفتر بين يديه، يشعر ببرودة الجلد القديم. “كم يكلف؟”
نظر سالم إليه مطولًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. “ليس المال هو الأهم هنا يا بني. هذا الدفتر… له قصة. جدتك كانت امرأة قوية، لكنها حملت سرًا ثقيلًا. لم أكن أعرف تفاصيله، لكنني رأيت الألم في عينيها كلما نظرت إلى هذا الدفتر.”
أخذ فارس الدفتر وبعض الصناديق الصغيرة الأخرى التي تحتوي على مقتنيات جدته، ودفع لسالم الثمن. كان الوقت يضيق، فالمتجر سيغلق أبوابه قريبًا للاحتفال. خرج فارس إلى الشارع، وصخب الاحتفال يلفه، لكن عقله كان منشغلًا بالدفتر وقفلِه العنيد.
عاد فارس إلى غرفته في الفندق، ووضع الدفتر على الطاولة. حاول فتح القفل بكل الطرق الممكنة، لكنه لم يفلح. كان القفل يبدو وكأنه جزء لا يتجزأ من الدفتر، مصممًا ليحفظ أسراره إلى الأبد. شعر بالإحباط، لكن شيئًا ما بداخله كان يدفعه للاستمرار. كانت جدته أمينة امرأة غامضة بالنسبة له في سنواتها الأخيرة، بعيدة ومنعزلة. كان هذا الدفتر هو فرصته الوحيدة لفهمها، وربما لتصحيح المسافة التي نشأت بينهما.
تذكر فارس كلمات سالم عن جدته، وعن حزنها الخفي. تذكر أيضًا أن سالم أشار إلى أن جدته كانت تحب الاستماع إلى الموسيقى القديمة، وأنها كانت تملك جهاز جراموفون قديمًا، لكنه لم يجده بين مقتنياتها. “الدليل الأهم موجود في شيء يومي بسيط،” تذكر فارس مقولة قديمة كان يحبها. بدأ يقلب في الصناديق التي اشتراها من سالم. كانت تحتوي على بعض الأواني الفخارية، ووشاح حريري قديم، وعلبة معدنية صغيرة.
فتح العلبة المعدنية، فوجد بداخلها بعض العملات القديمة، وصورة باهتة لجدته وهي شابة، تبتسم ابتسامة عريضة، بجانب رجل وسيم لا يعرفه. لم يكن هناك شيء آخر. شعر بخيبة أمل، لكنه لم يستسلم. كانت هناك قطعة أخرى، أسطوانة جراموفون قديمة، مغلفة بغلاف ورقي مهترئ. “لم أكن أعرف أن جدتي كانت تحتفظ بأسطوانات،” تمتم فارس.
عاد فارس إلى متجر سالم في اليوم التالي، قبل أن تبدأ الاحتفالات الصاخبة. وجد سالم يرتب بعض القطع. “يا عم سالم، هل تتذكر شيئًا عن جراموفون جدتي؟” سأل فارس بلهفة.
تنهد سالم. “آه، الجراموفون. نعم، كانت تعشقه. لكنها باعته منذ سنوات طويلة، بعد… بعد حادثة معينة. لم تعد تستمع للموسيقى بعدها.”
“وما هي تلك الحادثة؟” سأل فارس، وقلبه ينقبض.
“لا أعرف التفاصيل يا بني. كانت أمينة كتومة. لكنني أتذكر أنها كانت تضع شيئًا صغيرًا داخل فتحة الأسطوانات في الجراموفون. ربما مفتاح، أو ورقة صغيرة.”
نقطة تحول: “فتحة الأسطوانات!” صرخ فارس فجأة. تذكر الأسطوانة التي وجدها. لم يكن لديه جراموفون، لكنه كان يعلم أن بعض الأسطوانات القديمة كانت تحتوي على مساحة صغيرة في المنتصف. عاد مسرعًا إلى الفندق. أمسك بالأسطوانة الباهتة، وبدأ يفحصها بعناية. كانت هناك خدوش كثيرة، لكن في مركزها، حيث توضع على إبرة الجراموفون، وجد فتحة صغيرة جدًا، بالكاد مرئية. أدخل طرف مسمار رفيع بحذر، وشعر بشيء يتحرك. سحب ببطء، ليجد مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، مطابقًا تمامًا لقفل الدفتر!
كانت يداه ترتجفان وهو يضع المفتاح في القفل. نقرة خفيفة، ثم انفتح الدفتر. كانت الصفحات صفراء، ورائحة الورق القديم تملأ الغرفة. بدأ فارس يقرأ، وقلبه ينبض بقوة مع كل كلمة.
لم تكن المذكرات تتحدث عن فضيحة أو جريمة، بل عن قصة حب محرمة. قصة حب جمعت جدته أمينة برسام شاب يدعى “عادل”، هو الرجل الذي في الصورة الباهتة. كان عادل فنانًا فقيرًا، لكنه كان يرى العالم بعينين مختلفتين، وكان يرى في أمينة روحًا فنانة لم تكتشفها بعد. كانت أمينة تحلم بأن تصبح كاتبة، وأن تسافر حول العالم، لكن عائلتها المحافظة أجبرتها على الزواج من رجل ثري لم تكن تحبه، ودفنت أحلامها وطموحاتها تحت ركام الواجبات الاجتماعية.
كان الدفتر مليئًا بالقصائد التي كتبتها أمينة لعادل، والرسومات التي رسمها لها، والخطط التي وضعاها معًا للهرب وبدء حياة جديدة. لكن هذا الحلم لم يتحقق. في إحدى الصفحات الأخيرة، كتبت أمينة بخط مضطرب: “لقد مات عادل. ماتت معه روحي. سأدفن هذا الدفتر، وأدفن معه كل ما كنت أطمح إليه. سأعيش حياة أخرى، حياة لا أعرفها، لكنها ستكون حياتي.”
لم يكن الدفتر محرّمًا من العائلة، بل كان محرّمًا على جدته نفسها. كانت قد حرمت نفسها من ماضيها، من أحلامها، من حبها الأول، لتعيش حياة أخرى فرضتها عليها الظروف. كانت قد دفنت هذا الجزء من نفسها بعمق، حتى أصبحت غريبة عن أقرب الناس إليها.
شعر فارس بغصة في حلقه. جدته لم تكن مجرد المرأة الصامتة التي عرفها. كانت امرأة شابة مليئة بالشغف والأحلام، امرأة اضطرت للتضحية بكل شيء. في الصفحة الأخيرة، وجد فارس رسالة صغيرة موجهة إلى “من يجد هذا الدفتر”: “لا تدع أحلامك تموت. ابدأ من جديد، مهما كانت الصعاب. عش حياتك كما تريدها، لا كما يفرضها عليك الآخرون.”
أغلق فارس الدفتر ببطء. لم يكن قد وجد صاحب الدفتر، بل وجد جدته الحقيقية. وجد جزءًا منها لم يعرفه أحد. شعر باتصال عميق معها، اتصال لم يشعر به قط وهي على قيد الحياة. كانت كلماتها الأخيرة صدى لروحه، دعوة للبدء من جديد. قرر فارس أن يتبع شغفه بالسفر وحل الألغاز، لكن هذه المرة، ليس للبحث عن كنوز مدفونة، بل للبحث عن قصص إنسانية، ولإحياء ذكرى جدته التي علمته أن الحياة تستحق أن تُعاش بكل ما فيها من أحلام، حتى لو بدت محرمة في بعض الأحيان.