رنّ هاتفه في جيبه، لكن الشاشة أظهرت رقمه الخاص يتصل به. كانت تلك المكالمة الغريبة بداية لغز لم يتوقعه الباحث التاريخي فارس، الذي لم يكن يعلم أن جدران المسرح العتيقة تخبئ أكثر من مجرد صدى للماضي.
كان فارس منغمسًا في أروقة مسرح “الخيال العتيق”، حيث كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خطوطًا من الضوء على الغبار المتراقص في الهواء. مهمته كباحث تاريخي قادته إلى هنا لتوثيق تاريخ المسرح المنسي قبل إغلاقه للتجديد. كان الوقت يقترب من الغروب، ودفء الألوان يملأ المكان، لكن المكالمة الغريبة ألقت بظلال من القلق على هدوء المشهد.
أخرج فارس هاتفه، وعيناه تحدقان في الرقم المألوف الذي يظهر على الشاشة. “رقمي؟ كيف هذا؟” تمتم لنفسه. أجاب بتردد، فسمع صوتًا خافتًا، مشوشًا، بدا وكأنه صدى لصوته هو، يهمس بكلمات غير مفهومة قبل أن ينقطع الاتصال فجأة. شعر بقشعريرة تسري في جسده. هل كان هذا مزحة؟ أم إشارة؟
لم يكد يضع الهاتف في جيبه حتى لمح حركة في زاوية المسرح الخلفية، حيث تتكدس الدعائم القديمة والأزياء البالية. كان رجل مسن، شعره أبيض كالثلج، وعيناه تحملان نظرة تائهة. كان يتجول بين الأغراض وكأنه يبحث عن شيء مفقود، يمسك برأسه بين الحين والآخر. اقترب فارس منه بحذر. “هل أنت بخير يا سيدي؟”
التفت الرجل ببطء، وبدت عليه علامات الارتباك. “أنا… أنا لا أتذكر. أين أنا؟” سأل بصوت مرتجف. “أشعر أنني فقدت شيئًا مهمًا هنا، شيئًا يخص… يخص النهاية.”
أدرك فارس أن الرجل يعاني من فقدان ذاكرة مؤقت. اسمه السيد كمال، كما عرف لاحقًا من بطاقة هوية قديمة في جيبه، وكان يبدو وكأنه جزء من هذا المسرح، كأن روحه لم تغادره قط. شعر فارس بدافع قوي لمساعدته، فالمكالمة الغريبة لا تزال ترن في أذنيه، وكأنها مرتبطة بهذا اللغز الجديد.
لم تمضِ دقائق حتى ظهرت السيدة ليلى، مديرة المسرح، وهي تحمل مفاتيحها، وعلى وجهها تعبير يدل على الاستعجال. “السيد فارس، يجب أن نغلق الآن. الشمس توشك على الغروب، ولدينا الكثير من العمل قبل التجديد.” ألقت نظرة قلقة على السيد كمال. “يا إلهي، السيد كمال! ماذا تفعل هنا؟”
“إنه يبحث عن شيء ما، ويبدو أنه فقد ذاكرته مؤقتًا،” أوضح فارس. “أحتاج بضع دقائق لمساعدته.”
تنهدت ليلى. “ليس لدينا وقت. لقد أمضيت أيامًا أبحث عن شيء مهم هنا أيضًا، شيء يخص عائلتي، لكن دون جدوى. يجب أن نغلق.” كانت عيناها تحملان لمحة من اليأس، وكأنها تخفي سرًا خاصًا بها.
شعر فارس بضغط الوقت، لكن حدسه كباحث تاريخي، وعشقه للتفاصيل، دفعه للمضي قدمًا. “ماذا تقصد بـ’النهاية’ يا سيدي كمال؟” سأل فارس، مركزًا على كلمات الرجل المسن. أشار كمال بيده المرتعشة نحو خشبة المسرح، حيث كانت ستارة مخملية قديمة تتدلى. “النهاية… كانت هناك… في المشهد الأخير.”
بدأ فارس يتتبع خطوات كمال، ملاحظًا كل تفصيل: بقعة زيت قديمة على الأرض بالقرب من دعامة خشبية، خدشًا مميزًا على حافة صندوق خشبي قديم، وحتى طريقة إمساك كمال بيده اليمنى، وكأنه يضغط على شيء ما. تذكر فارس أن السيد كمال كان فني إضاءة ومؤثرات صوتية في المسرح لعقود، وقد يكون “الشيء المفقود” مرتبطًا بعمله.
توقف كمال فجأة أمام لوحة تحكم إضاءة قديمة، عيناه تحدقان في أزرارها البالية. “هنا… كانت النهاية مخبأة هنا.”
مد فارس يده، مستخدمًا قوة ملاحظته. لاحظ أن أحد الأزرار كان أكثر لمعانًا من غيره، وكأنه استُخدم مؤخرًا. ضغط عليه. لم يحدث شيء في الإضاءة، لكن صوت نقرة خافتة جاء من خلف لوحة التحكم. دفع فارس اللوحة برفق، ليكتشف تجويفًا صغيرًا مخفيًا خلفها. كان المكان ضيقًا، لكنه لمح شيئًا لامعًا في الظلام.
مد يده ليخرج صندوقًا موسيقيًا قديمًا، مزينًا بنقوش معقدة، وبدا وكأنه لم يمس منذ عقود. كان الصندوق ثقيلًا، وعندما فتحه، انبعث منه لحن خافت، حزين وجميل في آن واحد. لكن الأغرب كان وجود جهاز تسجيل صوتي صغير، عتيق الطراز، داخل الصندوق. كان الجهاز يعمل، ويصدر صوتًا مشوشًا، لكن فارس استطاع تمييز كلمات بصوته هو، نفس الكلمات التي سمعها في المكالمة الغريبة: “ابحث عن النهاية… النهاية…”
في تلك اللحظة، دخلت السيدة ليلى مرة أخرى، وكانت عيناها تتسعان دهشة وهي ترى الصندوق الموسيقي. “هذا هو!” هتفت، وصوتها يرتجف. “هذا صندوق جدتي! لقد بحثت عنه في كل مكان!”
نظر فارس إليها، ثم إلى السيد كمال الذي بدأت ملامح وجهه تتغير، وكأن خيوط الذاكرة بدأت تتشابك من جديد. “جدتك؟” سأل فارس. “وما علاقته بالمكالمة التي أتت من رقمي الخاص؟”
توضحت الصورة تدريجيًا. كان الصندوق الموسيقي يحتوي على جهاز تسجيل قديم، وهو جزء من مؤثرات صوتية كانت جدة ليلى، وهي ممثلة شهيرة، تستخدمها في مسرحياتها. السيد كمال، فني الإضاءة والمؤثرات الصوتية، كان قد خبأ الصندوق بأمان منذ عقود بناءً على طلبها، ووعدها بالحفاظ عليه. لكن مع تقدم العمر، وفقدان الذاكرة المؤقت، نسي مكانه، وظن أنه سُرق.
أما المكالمة الغريبة، فقد كانت نتيجة لتداخل غريب. عندما ضغط فارس على الزر، قام بتنشيط جهاز التسجيل العتيق. وبسبب ترددات المسرح القديمة، والتقنية البدائية للجهاز، حدث تداخل كهرومغناطيسي فريد مع هاتف فارس الحديث، مما جعله يفسر الإشارة كـ”مكالمة من رقمي الخاص”، مشغلًا تسجيلًا قديمًا بصوت فارس نفسه، كان قد سجله قبل أيام لاختبار الميكروفونات القديمة في المسرح، ليصبح جزءًا من اللغز دون علمه.
ابتسم السيد كمال، ودموع الفرح تترقرق في عينيه. “النهاية… لم تكن نهاية القصة، بل بداية الذكرى.” استعاد جزءًا كبيرًا من ذاكرته، متذكرًا جدة ليلى وصداقتهما العميقة. السيدة ليلى، التي كانت تبحث عن إرث عائلتها، وجدت أكثر من مجرد صندوق؛ وجدت قطعة من تاريخها العائلي وذكرى جدتها.
نظر فارس إلى غروب الشمس الذي كان يصب آخر أشعته الذهبية على المسرح. لقد حل لغزًا غريبًا، ليس فقط بذكائه، بل بقوة ملاحظته التي ربطت بين مكالمة هاتفية مستحيلة، وذاكرة رجل مسن، وإرث عائلة. لم يكن الشيء المفقود قد سُرق أصلًا، بل كان ينتظر من يكتشفه، وتلك المكالمة الغريبة كانت مجرد صدى للماضي، يهمس بسر ينتظر الكشف عنه.