همسات الروح في صفحات الزمنوصلت الرسالة الأخيرة، تحمل عبير الورق القديم ورائحة الحبر الذي ألفه قلبه. لم تكن مجرد رسالة عمل، بل كانت خاتمة لمشروع استمر لسنوات، ومشروع حب لم يعترف به أحد بعد.
أمسك فارس بالورقة، ويده ترتجف، ففي كل سطر منها كان يرى لينا، لا بوجهها الذي لم يره قط، بل بروحها التي سكنت أعماقه.كان فارس، الباحث في المخطوطات القديمة، قد أمضى جل حياته بين رفوف المكتبات، وحيداً إلا من رفاقه من الشعراء والحكماء الذين خطت أيديهم كلماتهم على صفحات الزمن. ثم جاءت لينا، شريكة افتراضية في مشروع ترميم ديوان شعر نادر، لتقتحم عالمه الصامت بهدوء، وتملأه بصوتها المكتوب.لم يتبادلا يوماً صورة، ولا حتى محادثة صوتية.
كان التواصل كله عبر الملاحظات المكتوبة، والتعليقات الدقيقة على المخطوطات، ورسائل البريد الإلكتروني التي سرعان ما تجاوزت حدود العمل لتصبح نافذة على روحيهما. كانت لينا تكتب بأسلوب ساحر، تصف مشاعرها تجاه القصائد، وتشارك فارس تأملاتها الفلسفية في الحياة، وكأنها تفتح له قلبها دون تردد.كان فارس يقرأ كلماتها، ويغوص في بحر معانيها، ويرسم لها في مخيلته ألف صورة وصورة.
كان يتخيل ضحكتها من طريقة صياغتها للنكتة، ويتصور نظرة عينيها من عمق تعليقها على بيت شعر حزين. لقد أحبها، أحب روحها، فكرها، شغفها، قبل أن يعرف شيئاً عن ملامحها.