رعب

مقعد لشخصين في حديقة عامة

4 دقائق قراءة• 2026-08-22• 70 مشاهدة
قصصكم
مساحة إعلانيةGoogle AdSense Responsiveضع كود إعلان أدسنس من تخصيص القالب
70مشاهدة

حكايات مقعد خشبي

في زاوية مهملة من حديقة المدينة الصاخبة، كان هناك مقعد خشبي قديم، يحمل في طياته صمت حكايات لا تُروى، وشوق لقاءات لم تتم بعد. كل صباح، كان الشيخ سالم يجلس على طرفه الأيمن، تاركاً الطرف الأيسر فارغاً، وكأنه ينتظر شبحاً عزيزاً لا يراه سواه.

كانت عيناه الزرقاوان، اللتان خفت بريقهما مع السنين، تتأملان الفراغ بجانبه، وكأنما ترسمان صورة لوجه غائب. يمر الوقت، تتغير الفصول، وتتوالى الوجوه في الحديقة، لكن الشيخ سالم ومقعده الخشبي بقيا ثابتين، شاهدين على روتين يومي يلفه الغموض والحنين.

في أحد الأيام، جلست فتاة شابة تدعى ليلى، على مقعد قريب، تراقب الشيخ سالم بفضول. كانت جديدة على المدينة، تبحث عن عمل وعن مكان تشعر فيه بالانتماء. لفت انتباهها صمته العميق ونظرته الثابتة نحو الفراغ. شعرت بانجذاب غريب نحو قصته غير المروية.

قالت ليلى لنفسها بصوت خافت: “من يا ترى ينتظر؟ وماذا يخفي هذا المقعد؟”

مرت الأيام، وتكرر المشهد. كانت ليلى تجلس على مقعدها، والشيخ سالم على مقعده، كل منهما في عالمه الخاص، لكن خيطاً رفيعاً من الفضول والتعاطف بدأ ينسج بينهما. لاحظت ليلى أن الشيخ سالم كان يمسح المقعد بيده بين الحين والآخر، وكأنه يزيل غبار الزمن عن ذكرى عزيزة.

في صباح مشمس، قررت ليلى أن تتجاوز حاجز الصمت. اقتربت من مقعد الشيخ سالم، وابتسامة خجولة ترتسم على شفتيها. “صباح الخير يا عمي.”

رفع الشيخ سالم رأسه ببطء، ونظر إليها بعينين تحملان دهشة خفيفة. “صباح النور يا ابنتي.”

“ألا تمانع إن جلست هنا للحظة؟” سألت ليلى، مشيرة إلى الطرف الفارغ من المقعد. كان قلبها يخفق بقوة، فهي تعلم أنها تقتحم عالماً خاصاً جداً.

تأملها الشيخ سالم للحظات، ثم أومأ برأسه ببطء. “تفضلي يا ابنتي. هذا المقعد يتسع لقلبين، وإن كان أحدهما غائباً.”

جلست ليلى بحذر، تاركة مسافة صغيرة بينهما. شعرت بدفء غريب ينبعث من الخشب القديم. “هل تنتظر أحداً؟” سألت ليلى بصوت هادئ، محاولة ألا تبدو متطفلة.

تنهد الشيخ سالم تنهيدة عميقة، وكأنها تحمل ثقل سنين طويلة. “أجل، أنتظر وعداً. وعداً قديماً قُطع على هذا المقعد بالذات، منذ خمسين عاماً.”

“خمسين عاماً؟” كررت ليلى بدهشة، وعيناها تتسعان. “من هو هذا الشخص؟”

ابتسم الشيخ سالم ابتسامة باهتة. “كانت فاطمة. حب حياتي. وعدنا بعضنا باللقاء هنا، كل يوم، مهما حدث. لكن الحياة فرقتنا، ولم أستطع العودة إلا بعد فوات الأوان. لكنني لم أقطع الوعد.”

شعرت ليلى بغصة في حلقها. تأثرت بقصته، وبإخلاصه الذي تحدى الزمن. “وهل تعتقد أنها ستعود يوماً ما؟”

“لا أدري يا ابنتي. لكنني أؤمن بأن الأرواح تلتقي، حتى لو لم تلتقِ الأجساد. هذا المقعد هو شاهد على حبنا، وعلى أملي الذي لم يمت.” قال الشيخ سالم، وعيناه تلمعان بدموع محبوسة.

في تلك اللحظة، شعرت ليلى بشيء غريب في جيب سترتها. أخرجت قلادة فضية قديمة، عليها نقش لزهرة نادرة. كانت هذه القلادة هدية من جدتها المتوفاة، وقد طلبت منها جدتها أن تحملها معها دائماً، وأن تبحث عن “مقعد الزهور” في حديقة المدينة القديمة، إن ضلت طريقها يوماً.

نظرت ليلى إلى القلادة، ثم إلى الشيخ سالم، ثم إلى المقعد. “مقعد الزهور؟” همست ليلى، متذكرة كلمات جدتها.

اتسعت عينا الشيخ سالم، وارتعشت يده. “قلادة الزهور! هذه… هذه قلادة فاطمة!”

“جدتي؟” سألت ليلى بصوت مرتجف. “هل تعرف جدتي؟”

نظر إليها الشيخ سالم بذهول، ثم أمسك بيدها التي تحمل القلادة. “أنتِ… أنتِ حفيدة فاطمة؟”

أومأت ليلى برأسها، والدموع تملأ عينيها. “جدتي كانت تتحدث دائماً عن حبها الأول، وعن وعد على مقعد في حديقة، وعن رجل اسمه سالم.”

انفجر الشيخ سالم في بكاء صامت، غطى وجهه بيديه المرتعشتين. لم يكن بكاء حزناً، بل بكاء فرح وراحة بعد سنين طويلة من الانتظار. “لقد عادت فاطمة… عادت من خلالك يا ابنتي.”

جلست ليلى بجانبه، ووضعت يدها على كتفه بحنان. بدأت تحكي له عن جدتها، عن حياتها، وعن كيف كانت تحتفظ بذكرى سالم في قلبها، وكيف كانت تتمنى أن تلتقي به مرة أخرى. أخبرته أن جدتها كانت قد كتبت رسالة أخيرة، طلبت فيها من ليلى أن تزور الحديقة، وأن تجلس على المقعد الخشبي، وأن تبحث عن “الرجل الذي ينتظر”.

“جدتي كانت تعرف أنك ستكون هنا، يا عمي سالم. كانت تؤمن بالوعد حتى النهاية.” قالت ليلى، وهي تمسح دموعها.

نظر الشيخ سالم إلى ليلى، ثم إلى المقعد، ثم إلى السماء الزرقاء. لم يعد المقعد فارغاً. لم يعد ينتظر شبحاً. لقد عاد إليه جزء من روحه، من خلال هذه الفتاة الشابة التي تحمل في عروقها دماء حبيبته. لم يكن اللقاء هو ما توقعه، لكنه كان أعمق وأكثر تأثيراً.

منذ ذلك اليوم، لم يجلس الشيخ سالم وحيداً على المقعد. كانت ليلى تزوره كل يوم، تجلس بجانبه، وتشاركه القصص والذكريات. لم تعد تبحث عن عمل فحسب، بل وجدت عائلة، ووجدت قصة حب خالدة تربطها بماضيها. أصبح المقعد الخشبي، الذي كان يوماً رمزاً للانتظار، رمزاً للاتصال، للحب الذي يتجاوز الزمن، وللوعد الذي يتحقق بأكثر الطرق جمالاً ودهشة.

كانت كل نظرة يتبادلانها، وكل كلمة يتحدثان بها، وكل ضحكة يتقاسمانها، هي بمثابة رسالة حب جديدة، تُكتب على صفحات الزمن، وتُحفظ في قلب المقعد الخشبي، الذي بات يتسع الآن لقلبين، يرويان معاً حكاية وفاء لا تنتهي.

مساحة إعلانيةGoogle AdSense Responsiveضع كود إعلان أدسنس من تخصيص القالب
✦نهاية القصة

إذا أعجبتك الحكاية، استكشف قصة جديدة من قصصكم.

رعب