قصص قصيرة

الجارة التي لا يراها أحد سواي

5 دقائق قراءة 2026-08-11 6 مشاهدة
قصصكم
مساحة إعلانيةGoogle AdSense Responsiveضع كود إعلان أدسنس من تخصيص القالب
6مشاهدة

في صباح شتوي قارس، حيث تتسلل أشعة الشمس الخجولة عبر نوافذ مدرسة قديمة مهجورة، كان فارس، المصور الصحفي الهادئ، يتجول بكاميرته العتيقة. كان يبحث عن زوايا تلتقط روح المكان المنسي، لكن ما وجده كان أبعد من مجرد صورة. وسط الغبار المتراقص في بهو المدرسة الصامت، رأى فتاة شابة تقف بهدوء، عيناها زائغتان كأنها تبحث عن شيء مفقود.

اقترب فارس بحذر، الكاميرا تتدلى من رقبته. “مرحباً؟” قال بصوت خفيض، لكنها لم تستجب. كانت ترتدي ثياباً تبدو قديمة الطراز، وشعرها الداكن ينسدل حول وجهها الشاحب. حاول أن يلفت انتباهها مرة أخرى، لكنها بدأت تتحرك ببطء نحو أحد الفصول الدراسية.

لحظتها، دخل عامل النظافة، السيد محمود، إلى البهو حاملاً مكنسته. مرّ بجانب الفتاة مباشرة، كأنها غير موجودة. لم يرمش له جفن، ولم يتغير تعبير وجهه. توقف فارس، قلبه يخفق بعنف. هل كان يتخيل؟

“صباح الخير يا سيد محمود،” قال فارس، محاولاً إخفاء ارتباكه. “هل رأيت أحداً هنا للتو؟”

نظر السيد محمود حوله باستغراب. “لا يا سيدي، لا أحد سواي وسواك. المدرسة فارغة كالعادة في هذا الوقت.”

شعر فارس ببرودة تسري في أوصاله. الفتاة التي رآها بوضوح، الجارة التي لا يراها أحد سواه، كانت حقيقية بالنسبة له. تبعها إلى الفصل الدراسي القديم. كانت تقف أمام سبورة متهالكة، تمرر أصابعها على حروف باهتة. “ليلى،” همست بصوت بالكاد مسموع. “اسمي ليلى… أليس كذلك؟”

“أجل، ليلى،” أجاب فارس، محاولاً أن يبدو مطمئناً. “هل أنتِ بخير؟ هل تحتاجين مساعدة؟”

التفتت إليه، عيناها تحملان حزناً عميقاً وبعض الارتباك. “لا أتذكر… لا أتذكر شيئاً بوضوح. فقط هذا المكان… وهذا الاسم.”

أدرك فارس أن ليلى تعاني من فقدان ذاكرة مؤقت، أو ربما شيء أعمق. شعر بمسؤولية تجاهها. كيف يمكنه أن يتركها هكذا؟ بدأ يتحدث معها، يحاول أن يستخرج منها أي معلومة، أي خيط يقوده إلى هويتها أو سبب وجودها هنا. ذكرت كلمات متقطعة عن “كتاب ضائع” و”وعد لم يتحقق”.

بعد ساعات، بينما كان فارس يحاول التقاط صور لبعض التفاصيل المعمارية، دخل رجل عجوز إلى المدرسة. كان يحمل ملفاً سميكاً ونظارته تستقر على أنفه بدقة. كان السيد كمال، مؤرخ محلي ومعلم سابق في هذه المدرسة، معروفاً بصرامته وحبه للتفاصيل الدقيقة. كان يبحث في أرشيف المدرسة لإعداد كتاب عن تاريخها.

رأى فارس في السيد كمال فرصة. “سيدي، هل يمكنني أن أسألك عن شيء؟”

رفع السيد كمال رأسه ببطء، نظرة غير مرحبة في عينيه. “ليس لدي وقت لأي شيء لا يتعلق بتاريخ هذه المدرسة العريق.”

“الأمر يتعلق بتاريخ المدرسة،” أصر فارس. “هل تتذكر طالبة اسمها ليلى؟”

تصلبت ملامح السيد كمال. “ليلى؟ لا أتذكر هذا الاسم تحديداً. مرت أجيال وأجيال من الطلاب.” كان صوته حاداً، وكأنه يغلق الباب أمام أي نقاش.

بينما كان فارس يحاول إقناع السيد كمال، ظهرت ليلى مرة أخرى، تقف بجانبهم، تنظر إلى السيد كمال بنظرة حزينة. لم يرها السيد كمال. هذا أكد لفارس أن الأمر ليس مجرد هلوسة. كان هناك سر هنا، وسر ليلى مرتبط بهذه المدرسة وهذا الرجل.

قضى فارس الأيام التالية في المدرسة، يتظاهر بالتصوير، بينما كان في الحقيقة يحاول فك لغز ليلى. كلما تحدث معها، تجمعت لديه قطع صغيرة من أحجية. “كان هناك امتحان مهم…” “وعدت صديقتي بشيء…” “الكتاب… أين كتابي؟”

اكتشف فارس في الأرشيف القديم للمدرسة صوراً جماعية لطلاب عام معين. وفي إحدى الصور، لمح ليلى. كانت شابة مبتسمة، تحمل كتاباً. وبجانبها، كان يقف السيد كمال، لكنه كان شاباً في ذلك الوقت، يبتسم هو الآخر. كانت الصورة دليلاً قاطعاً على وجود ليلى في هذه المدرسة، وأن السيد كمال يعرفها.

عاد فارس إلى السيد كمال، هذه المرة حاملاً الصورة. “سيدي، هذه ليلى، أليس كذلك؟”

أخذ السيد كمال الصورة، وتغيرت ملامحه. يداه ارتجفتا قليلاً. “من أين لك بهذا؟”

“إنها هنا، في هذه المدرسة،” قال فارس بهدوء. “أراها، وهي تبحث عن شيء، عن ذاكرتها. وأنت تعرفها.”

تنهد السيد كمال بعمق، وكأن حملاً ثقيلاً أزيح عن كاهله. “ليلى… كانت طالبة متفوقة. في ذلك العام، كان هناك امتحان مصيري. قبل الامتحان بيوم، سقطت من الدرج هنا، في هذا البهو. فقدت وعيها، وعندما استفاقت، كانت ذاكرتها مشوشة. لم تتذكر شيئاً عن الامتحان أو الكتاب الذي كانت تحمله. شعرت بالذنب، لأنني كنت أصر على أن تظل تدرس حتى وقت متأخر. عائلتها نقلتها بعيداً، ولم أراها منذ ذلك الحين. لم أستطع أن أسامح نفسي، وكتمت القصة.”

تحول الخصم الظاهر إلى حليف مؤقت. “ماذا يمكننا أن نفعل؟” سأل السيد كمال، وقد بدت عيناه مليئتين بالندم. “ما هو الكتاب الذي تبحث عنه؟”

“قالت إنه كان وعداً لصديقتها،” أجاب فارس. “ربما كان كتاباً خاصاً.”

تذكر السيد كمال فجأة. “كانت ليلى وصديقتها المقربة، سارة، تتشاركان حباً للروايات القديمة. كانت ليلى قد وعدت سارة بإعطائها رواية نادرة قبل الامتحان. ربما كانت تلك الرواية هي مفتاح ذاكرتها.”

بدأ الاثنان في البحث المحموم. قلبوا الأرشيف، فتشوا الفصول القديمة، حتى وصلوا إلى مكتب السيد كمال القديم، الذي كان لا يزال يحتفظ ببعض أغراضه. خلف كومة من الكتب المنسية، وجد فارس رواية قديمة، غلافها أزرق باهت. “هذا هو!” هتف السيد كمال.

أخذ فارس الرواية وتوجه نحو ليلى، التي كانت تقف في نفس المكان الذي رأها فيه أول مرة. “ليلى، هل هذا هو كتابك؟”

نظرت ليلى إلى الكتاب، ثم إلى فارس، ثم إلى السيد كمال الذي كان يقف بعيداً. لمعت عيناها فجأة. “سارة… وعدتها…” همست، وبدأت ملامحها تتضح، كأن ضوءاً خافتاً يضيء من داخلها. ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها.

“شكراً لك،” قالت بصوت واضح هذه المرة، موجهة حديثها لفارس. “لقد تذكرت كل شيء.”

بدأ جسد ليلى يتوهج بضوء خافت، ثم أصبح شفافاً أكثر فأكثر. نظر إليها فارس والسيد كمال بصمت. كانت ابتسامتها تزداد وضوحاً، ثم تلاشت ببطء، كأنها ضباب يذوب في أشعة الشمس. لم يتبق منها سوى شعور بالسلام والهدوء في المكان.

وقف فارس والسيد كمال في صمت. كان السيد كمال يمسح دمعة خفية. “لقد ارتاحت روحها أخيراً،” قال بصوت متهدج. “لقد تحملت مسؤوليتها، وأنت أيضاً يا بني.”

التقط فارس صورة أخيرة للمدرسة، لكن هذه المرة، لم تكن مجرد جدران قديمة. كانت صورة لمكان شهد قصة إنسانية، قصة جارة لم يراها أحد سواه، لكنها تركت أثراً عميقاً في قلبه وفي روح المدرسة.

مساحة إعلانيةGoogle AdSense Responsiveضع كود إعلان أدسنس من تخصيص القالب
نهاية القصة

إذا أعجبتك الحكاية، استكشف قصة جديدة من قصصكم.

قصص قصيرة