غموض

أصغر اعتذار

4 دقائق قراءة• 2026-09-06• 31 مشاهدة
قصصكم
مساحة إعلانيةGoogle AdSense Responsiveضع كود إعلان أدسنس من تخصيص القالب
31مشاهدة

همسة خشبية تعبر السنين

في زاوية ورشته المنسية، حيث يتراكم غبار السنين على أدوات النجارة الصامتة، تلقى أحمد، النجار العجوز، طرداً صغيراً. لم يكن يتوقع شيئاً من أحد، فقد اعتاد العيش وحيداً، رفيقاً لذكرياته المريرة. فتح الطرد ببطء، ليجد بداخله عصفوراً خشبياً منحوتاً بدقة متناهية، يذكّره بعصفور صنعه بيده قبل عقود، ثم حطمه بغضب.

ارتجفت يداه وهو يمسك بالعصفور، وكأنما يمسك بقطعة من الماضي الذي ظن أنه دفنه للأبد. لم تكن هناك رسالة، لا اسم مرسل، فقط هذا العصفور الصغير الذي حمل معه عبق ذكرى مؤلمة، ذكرى وجه طفلة صغيرة وعينيها الدامعتين. تنهد أحمد بعمق، وشعر بلسعة حنين ممزوجة بوخز الندم.

“من أين أتى هذا؟”

همس لنفسه، وعيناه تتجولان في تفاصيل العصفور، كل ريشة منحوتة بعناية فائقة، تماماً كما كان يفعل هو. كان هذا العصفور نسخة طبق الأصل من ذاك الذي حطمه أمام عيني ليلى الصغيرة، حفيدته التي كانت تملأ حياته بهجة قبل أن يطردها غضبه الأعمى. مرّت سنوات طويلة، سنوات صمت وفراق، لم يجرؤ خلالها على البحث عنها، أو حتى السؤال عنها، خوفاً من مواجهة أثر أفعاله.

“ليلى…”

خرج الاسم من شفتيه كهمسة خافتة، تحمل في طياتها ثقل السنين. تذكر كيف كانت ليلى تأتي إلى ورشته كل يوم بعد المدرسة، عيناها تلمعان بالفضول وهي تراقبه يصنع العجائب من الخشب. تذكر كيف صنعت له يوماً رسماً لعصفور، وطلبت منه أن يحوله إلى حقيقة. صنع لها العصفور، لكن في يوم مشؤوم، وبينما كان غارقاً في مشاكله وهمومه، حطم العصفور أمامها دون قصد، أو ربما بقصد، في لحظة غضب عابرة. لم ينسَ نظرة عينيها المكسورتين، ولا صمتها الذي كان أشد إيلاماً من أي صراخ.

قرر أحمد أن يكسر جدار الصمت. لم يعد يحتمل هذا الثقل. نهض بصعوبة، ووضع العصفور في جيبه، ثم خرج من ورشته التي كانت سجنه الاختياري. بدأ يسأل الجيران القدامى، يتتبع الخيوط الباهتة، وكلما اقترب خطوة، شعر بقلبه ينبض بقوة أكبر، ممزوجاً بالخوف والأمل.

“هل رأيتم ليلى؟ الفتاة التي كانت تأتي إلى هنا؟”

سأل بائع الخضروات العجوز، الذي هز رأسه بأسف.

“ليلى؟ آه، ليلى الجميلة. لقد كبرت يا أحمد. سمعت أنها تعيش في المدينة الآن، تعمل في متجر لبيع التحف الفنية.”

كانت تلك المعلومة كشعاع ضوء في نفق مظلم. لم يضيع أحمد وقتاً. استقل الحافلة إلى المدينة، وقلبه يرتجف مع كل محطة. عندما وصل إلى المتجر، كانت ليلى هناك، امرأة شابة أنيقة، لكن عينيها كانتا تحملان نفس البريق القديم، ممزوجاً ببعض الحزن الخفي. لم تتعرف عليه في البداية، فقد غيرت السنون ملامحه، وزادت من تجاعيد وجهه.

“ليلى؟”

نطق أحمد بصوت خافت، بالكاد مسموع. التفتت ليلى، وتجمدت عيناها عليه. نظرت إليه طويلاً، وكأنها تحاول استعادة صورة من الماضي البعيد. ثم لمعت عيناها بالدموع.

“جدي أحمد؟”

كان صوتها يحمل مزيجاً من الدهشة والألم والحنين. اقترب منها أحمد ببطء، وأخرج العصفور الخشبي من جيبه، ووضعه في يدها المرتجفة. نظرت ليلى إلى العصفور، ثم إلى جده، وعادت الدموع لتتجمع في عينيها.

“أرسلتِ هذا لي؟”

سألها أحمد، وعيناه تترجانها الإجابة. أومأت ليلى برأسها، وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيها.

“نعم، أرسلته منذ أسابيع. كنت أظن أنك لن تتذكره، أو أنك لن تهتم. أردت فقط أن أذكرك بأنني لم أنسَ الأيام الجميلة، قبل… قبل ذلك اليوم.”

شعرت ليلى بمرارة في حلقها وهي تتذكر اليوم الذي حطم فيه جدها عصفورها. لم يكن الأمر يتعلق بالعصفور نفسه، بل بالإحساس بالرفض والوحدة الذي غرسه في قلبها الطفولي. لكنها لم تستطع أن تكرهه، فقد كان جزءاً من طفولتها، جزءاً من قلبها.

“ليلى… أنا… أنا آسف.”

خرجت الكلمات من أحمد بصعوبة، محملة بثقل سنين من الندم. كانت مجرد كلمتين، لكنهما حملتا وزناً أكبر من أي خطاب طويل. كانت اعتذاراً عن العصفور، وعن الصمت، وعن الغضب، وعن كل لحظة ألم تسبب فيها. نظرت ليلى إلى جده، ورأت في عينيه ليس فقط الندم، بل حباً قديماً لم يخبُ أبداً. مدت يدها الأخرى، ووضعتها فوق يده التي تمسك بالعصفور.

“كنت أنتظر هذه الكلمات طوال حياتي يا جدي. لم أكن أعلم أنني بحاجة إليها حتى سمعتها الآن.”

ابتسمت ليلى، ودموعها تتساقط بحرارة. لم يكن الاعتذار عن العصفور فقط، بل كان اعتذاراً عن سنوات الغياب، عن الجفاء، عن كل ما لم يقله. كان اعتذاراً صغيراً في كلماته، لكنه كان كبيراً في معناه، كبيراً لدرجة أنه محا سنين من الألم، وفتح باباً جديداً للحب والتسامح. احتضن أحمد حفيدته، وشعر بقلبه يمتلئ بدفء لم يشعر به منذ زمن طويل. كان العصفور الخشبي الصغير في يد ليلى ليس مجرد قطعة خشب، بل كان جسراً أعاد بناء ما هدمته الأيام، وأعاد الحياة إلى قلبين ظنا أنهما فقدا الأمل في المصالحة.

مساحة إعلانيةGoogle AdSense Responsiveضع كود إعلان أدسنس من تخصيص القالب
✦نهاية القصة

إذا أعجبتك الحكاية، استكشف قصة جديدة من قصصكم.

غموض